ابن تيمية
115
مجموعة الفتاوى
أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ هُوَ الْأَرْجَحَ فَاتِّبَاعُهُ هُوَ الْأَحْسَنُ وَهَذَا مَعْلُومٌ . فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِأَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَمَا عَمِلَ إلَّا بِالْعِلْمِ وَهَذَا جَوَابُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وأبي وَغَيْرِهِمْ وَالْقُرْآنُ ذَمَّ مَنْ لَا يَتَّبِعُ إلَّا الظَّنَّ فَلَمْ يَسْتَنِدْ ظَنُّهُ إلَى عِلْمٍ بِأَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ ؛ كَمَا قَالَ : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ } وَقَالَ : { هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ } وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ يَذُمُّ الَّذِينَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ فَعِنْدَهُمْ ظَنٌّ مُجَرَّدٌ لَا عِلْمَ مَعَهُ وَهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَعَلَيْهِ عُقَلَاءُ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ إلَّا بِعِلْمِ بِأَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِنْ هَذَا فَيَعْتَقِدُونَ الرُّجْحَانَ اعْتِقَاداً عَمَلِيّاً ؛ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ أَرْجَحَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَرْجُوحُ هُوَ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : { وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ } فَإِذَا أَتَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِحُجَّةِ مِثْلِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ وَلَمْ يَأْتِ الْآخَرُ بِشَاهِدِ مَعَهَا كَانَ الْحَاكِمُ عَالِماً بِأَنَّ حُجَّةَ هَذَا أَرْجَحُ فَمَا حَكَمَ إلَّا بِعِلْمِ ؛ لَكِنَّ الْآخَرَ قَدْ يَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ لَا يَعْلَمُهَا أَوْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يُبَيِّنَهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَضَاهُ أَوْ أَبْرَأَهُ وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهَا أَوْ لَا